![]() |
لماذا تضاءل عدد الطيور المنتمية إلى جنس الجزماوي Carduelis ؟ نظرة على علم الوراثة التطوّري بسم الله الرحمن الرحيم إخوتي الكرام في هذا المنتدى الطيّب السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نشرنا عبر الأيّام القليلة الماضية سلسلة من ثلاث حلقات بعنوان (هل الهجين دائماً عقيم؟ مقاربة علميّة جديدة). وقد أسعدتني مشاركاتكم التي أغنت هذه السلسلة بالكثير من الأسئلة والتعليقات المفيدة. وكان من بين هذه الأسئلة سؤال طرحه مشرفنا القدير معتز شاور، وعندما نظرت إلى هذا السؤال الذي يدل على الذكاء والفطنة والقراءة الواعية، لم يكن من الممكن أبداً أن أجيب عنه بسطور قليلة، فكان لا بدّ من إفراد موضوع خاص للإجابة عنه. لماذا ؟ أوّلاً ــ لأنّه موضوع مهم جدّاً للمهتمّين بــ (علم الطيور)..... أي المفهوم العلمي (وليس العشوائي) لتربية الطيور. ثانياً ــ لأن هذه الفكرة كانت فعلاً في ذهني وهي تستحق الحديث عنها، ولكنني تجنّبتُ إدراجها في سياق السلسلة منعاً للاستطراد Discursiveness وتجنّباً لتشتيت ذهن القارئ. وثالثاً ــ لأن الإجابة طويلة فعلاً، فليس من المعقول أن أضع إجابةً عن سؤال يبلغ طولها 10 صفحات فولسكاب مثلاً هي عداد صفحات هذا المقال الذي هو بين أيدينا الآن!! وأذكر هنا أنها ليست المرّة الأولى التي تسوقني فيها الأسئلة لكتابة موضوع كامل، فقد اضطررت لكتابة موضوع عن (الحسّون اللاسياني) منذ أشهر بسبب الأسئلة الهامّة والقراءة الواعية لمشرفينا القديرَين الدكتور حسن بن الحافي ومعتز شاور. سؤال مهم جدّاً يمكن تلخيص السؤال بما يلي: كيف نذكر في السلسلة المشار إليها أن هنالك ثلاثة أنواع من الطيور فقط تنتمي إلى جنس الجزماوي Carduelis بينما تذكر الكثير من المراجع أن هنالك العشرات (أو المئات حسب تاريخ المرجع) من الطيور تنتمي إلى هذا الجنس؟ فهل من إجابة حقيقيّة على هذا السؤال المشروع. وكيف نحل هذا التناقض الخطير؟ علم جديد الحقيقة أن السر يكمن في علم جديد اسمه علم الوراثة التطوّري Phylogenetics . هذا العلم ــ الذي لم يسمع به الكثيرون ــ غيّر عدداً كبيراً من المفاهيم البيولوجيّة وفتح آفاقاً جديدة وقلب رأساً على عقب التصنيفات القديمة للكثير من الكائنات التي تم تصنيفها وفقاً لنظام Cavalier-Smith الذي تحدّثنا عنه في السلسلة. ما هو علم الوراثة التطوّري؟ ويُسمّى أيضاً (علم الوراثة العرقي) وهو يُعنى بدراسة التاريخ التطوّري والعلاقات بين أفراد أو مجموعات من العضيّات (إنسان، حيوان، طائر، جرثوم، فيروس إلخ). ويتم كشف هذا التاريخ والعلاقات من خلال وسائل عديدة تعتمد اليوم بشكل رئيس على تحليل الــ DNA وخصوصاً الــ DNA الميتوكوندري في الفترة الأخيرة. وبالتالي فهو يساعد على وضع تصنيفات دقيقة للأحياء. والحقيقة أن جذور هذا العلم بدأت في أواخر القرن التاسع عشر، ولكن التطوّرات التي طرأت عليه مؤخّراً، وتطبيقاته الجديدة جعلته علماً جديداً تماماً. أساليب بدائية لقد كان تصنيف الأحياء يعتمد في كثير من جوانبه على أساليب بدائيّة. بمعنى أن علماء الطبيعة كانوا ينظرون إلى مجموعة من الكائنات المتشابهة في شكلها أو طعامها أو طريقة سكنها أو تزاوجها فيصنّفونها ضمن جنس واحد (على ما يظهر لهم من سلوكها وشكلها وغيره). هذا الأمر أصبح أفضل من خلال توظيف علم الوراثة والجينات بمفهومه العام. الآن ..... عندما ظهر علم الوراثة التطوّري (بوسائله ومفاهيمه الجديدة) بدأت تتفتح أفكار جديدة، فهذا العلم يمكّن العلماء من دراسة الجينات بدقّة ودراسة الــ DNA الموجود في المتقدّرات (المتوكوندريا) Mitochondria، والحقيقة أن الــ DNA الموجود في الميتوكوندريا الخلوية له خصائص تساعد كثيراً وبشكل نوعي على تحديد الأحياء (من نبات وحيوانات وأسماك وطيور وغيرها) التي نشأت من أرومة واحدة أو أصل واحد، وبالتالي تحديد مدى القرب الجيني بينها والذي يسمح بتصنيفها ضمن جنس Genus واحد أو أجناس مختلفة. ولكن ما هي المتوكوندريا؟ إن المشكلة في العلم هو أنه عبارة عن أبواب، كلّما فتحت باباً اضطررت لفتح عشرات الأبواب الأخرى، في سلسلة هندسيّة لا تنتهي. وطالما أننا ذكرنا الميتوكوندريا فلا بد من ذكر تعريف لها: تُعرّف المتوكوندريا على أنّها عُضيّات Organelles صغيرة موجودة في معظم الخلايا تلعب دوراً كبيراً في توليد الطاقة في الخليّة (ولذلك تُسمّى بالعربيّة المتقدّرات). ولقد تبيّن في السنوات الأخيرة أن وظيفة الميتوكوندريا لا تقتصر على توليد الطاقة بل هي تحوي على DNA خاص بها..... أي فيها أيضاً مادّة وراثيّة. ولقد وجد علماء الوراثة والتصنيف في هذا المادّة كنزاً ثميناً مكّنهم من معرفة طريقة نشوء الكائنات، وأي من الكائنات ــ بما فيه الطيور ــ نشأ من أي أصل، وهذا يعني معرفة الطيور التي تشترك في أصل واحد أي التي يمكن بالتالي أن نصنّفها في جنس واحد!! هذا العلم الجديد أُطلِق عليه اسم علم الوراثة التطوّري Phylogenetics صورة تبيّن موقع الميتوكوندريا في الخليّة ![]() صورة تبيّن تفاصيل تركيبة الميتوكوندريا وموقع الــ DNA فيها ![]() تطبيقات جديدة لعلم الوراثة التطوّري بدأ تطبيق هذا العلم على الكثير من الكائنات، ثم وصل إلى علم الطيور. وبدأ علماء التصنيف يسألون أنفسهم: هل أن المعايير التي تم تصنيف الطيور وفقاً لها هي صحيحة؟ وماهو الفيصل في هذا؟ وأجابوا بأن الدّراسة الوراثية التطوّريّة هي التي تستطيع أن تحدد الخطأ من الصواب وتقدّم الجواب الدقيق في هذا الباب. والحقيقة أن الدراسات بيّنت أن الكثير من التصنيفات القديمة لم تكن صحيحة. وراحت هذه الإيضاحات والتغييرات تمتد من جنس إلى آخر. إلى أن وصلنا إلى بيت القصيد في حديثنا اليوم. جنس الجزماوي Carduelis لقد بدأت أصواتٌ كثيرة تتكلّم عن جنس الجزماوي Carduelis وتطالب بنقل الكثير من الطيور التي تنتمي إليه (وفق التصنيفات القديمة) إلى أجناس أخرى مثل جنس الشوكي Spinus وجنس Cholris وجنس Linaria وغيرها، ولم يكن هذا أمراً عشوائيّاً، بل ناجماً عمّا بيّنته الدراسات الميتوكوندريّة من أن علاقة هذه الطيور هي أقرب إلى أجناس أخرى منها إلى جنس الجزماوي. وراح العلماء يصدرون توصيات جديدة في هذا الباب أدّت في النهاية إلى تغييرات جذريّة في التصنيف. ولنضرب بعض الأمثلة 1 ــ توصية (على موقع مُتحَف التاريخ الطبيعي) Museum of Natural Science موجّهة من اللجنة المكلّفة بالدراسة الوراثيّة التطوّريّة لطيور أمريكا الجنوبية المنضوية تحت لواء جنس الجزماوي http://www.museum.lsu.edu/~Remsen/SACCprop488.html والتي نقرأ فيها ما يلي: Effect on SACC: This would change the genus name from Carduelis to Spinus for all South American species in that genus (but would retain Carduelis for introduced C. carduelis and resurrect Chloris for introduced C. chloris). وخلاصة معنى هذه التوصيات هو أن الدراسات توجب تغيير الجنس الذي تنتمي إليه جميع طيور أمريكا الجنوبيّة التي تنتمي إلى جنس الجزماوي Carduelis ووضعها في جنس الشوكي Spinus ما عدا طائر (الخضري) Carduelis Chloris حيث يجب أن يوضع في جنس Chloris . (مع الإشارة إلى أن المعلومات التي أدّت إلى طلب هذه التغييرات نشأت في العام 2007 وما بعده). 2 ــ هذه الوثيقة الهامّة بصيغة PDF الصادرة عن لجنة تصنيف الطيور لأمريكا الشمالية والوسطى http://checklist.aou.org/assets/proposa ... 2014-A.pdf والتي نقرأ في الصفحة الثانية منها تحت عنوان Background ما يلي: Until recently, most post-Peters references lumped the North American siskins and goldfinches into an expanded version of the genus Carduelis. Chesser et al. (2009) returned the native North American species (as well as introduced species cucullatus and accidental species spinus) to the genus Spinus, based on the mtDNA phylogeny of Arnaiz-Villena et al. (2008), leaving only the introduced European Goldfinch in Carduelis. وخلاصة المعنى وجوب تغيير انتماء الحسّون الأمريكي والنعار الأمريكي الشمالي من جنس الجزماوي Carduelis إلى جنس Spinus. 3 ــ هذه الوثيقة الهامّة بصيغة PDF http://checklist.aou.org/assets/proposa ... 2013-C.pdf والتي نقرأ في الصفحة 27 منها توصية تشبه السابقة والأمثلة كثيراً جدّاً، ولكن نكتفي بهذه المصادر الثلاثة تجنّباً للإطالة المفرطة، فالموضوع طويل فعلاً. ماذا حصل لجنس الجزماوي Carduleis بعد كل هذه التوصيات والتغيّرات؟ لقد تتابعت الوثائق والدّراسات التي توصي بنقل الكثير من الطيور التي كانت تنتمي لجنس الجزماوي إلى أجناس أخرى. فماذا حصل لهذا الجنس الذي كان يضم مئات الطيور؟ لقد تضاءل عدد الطيور المنتمية إليه فوصل إلى ثلاثة فقط، وكأحد المهتمّين بعلم الطيور كنت أنظر إلى قائمة الطيور المنتمية إلى هذا الجنس كيف تصبح أقصر كل يوم إلى أن وصلت إلى الوضع الحالي، وكنت أصاب بالدهشة والذهول. وهذه وصلة للصفحة الحالية على موسوعة Wikipedia المخصّصة لجنس الجزماوي. https://en.wikipedia.org/wiki/Carduelis ونلاحظ في هذا المقال أنّه لم يتبقّ في هذا الجنس غير ثلاثة طيور هي التي ذكرناها في الحلقة الثالثة من المقال وهي: ــ الحسّون Carduelis Carduelis ومن منّا لا يعرف صورته!! ![]() ــ فنش الستريلCarduellis Citrinella وهذه صورته ![]() ــ والفنش الكورسيكيCarduelis Corsicana وهذه صورته ![]() ولكن ماذا حصل للطيور الأخرى التي كانت تنتمي لهذا الجنس؟ إن جميع الطيور الأخرى التي كانت تنتمي لجنس الجزماوي (ما عدا الثلاثة المذكورة) أصبح لها اسم جديد وتصنيف جديد. ولنضرب بعض الأمثلة على الطيور المشهورة فقط وبهدف التوثيق: ـــ النعار الأحمر Red Siskin كان اسمه العلمي Carduelis Cacullatus فأصبح الآن Spinus Cacullatus وهو ينتمي الآن لجنسSpinus وهذه وصلة لصفحته على الويكيبيديا https://en.wikipedia.org/wiki/Red_siskin ـــ حسّون ماجلان كان اسمه العلمي Carduelis Magellanica فأصبح الآن Spinus Magellanicus وهو ينتمي الآن لجنسSpinus وهذه وصلة لصفحته على الويكيبيديا https://en.wikipedia.org/wiki/Hooded_siskin ـــ الخضري كان اسمه العلمي Carduelis Chloris فأصبح الآن Chloris Chloris وهو ينتمي الآن لجنسChloris وهذه وصلة لصفحته على الويكيبيديا https://en.wikipedia.org/wiki/European_greenfinch ـــ التفّاحي كان اسمه العلمي Carduelis Cannabina فأصبح الآن Linaria cannabina وهو ينتمي الآن لجنسLinaria وهذه وصلة لصفحته على الويكيبيديا https://en.wikipedia.org/wiki/Common_linnet ــ السيسكين الأوراسي كان اسمه العلمي Carduelis Spinus فأصبح الآن Spinus Spinus وهو ينتمي الآن لجنس الشوكي Spinus وهذه وصلة لصفحته على الويكيبيديا https://en.wikipedia.org/wiki/Eurasian_siskin والقائمة تطول جدّاً فنكتفي بهذه الأمثلة تغيّرات في الأسماء والأجناس إذاً حصل تغيّر لعدد هائل من الطيور التي كانت تنتمي في السابق لجنس الجزماوي ، وتغيّرت أسماؤها وأسماء الأجناس التي تنتمي إليها. ولو أنك بحثت عنها الآن على موقع ويكيبيديا باسمها العلمي القديم لحوّلك الموقع فوراً إلى صفحة تحمل اسمها العلمي الجديد مع ملاحظة تقول ( Redirected From) أي تم تحويلك إلى هذه الصفحة التي تحمل التصنيف الجديد من تلك التي تحوي التصنيف القديم. فهذا التصنيف القديم تم إلغاؤه. وهذا مثال لما تجده مثلاً لو بحثت عن السيسكين الأوراسي باسمه القديم Carduelis Spinus From Wikipedia, the free encyclopedia (Redirected from Carduelis spinus) The Eurasian siskin (Spinus spinus) is a small passerine bird in the finch family Fringillidae. وستواجه هذه الموضوع لدى بحثك عن أي طائر يحمل في اسمه كلمة Carduelis ما عدا الطيور الثلاثة المذكورة!!! وهكذا ــ مرّة أخرى ــ فإنّك لن تجد إلاّ ثلاثة طيور تنتمي اليوم تحت لواء الجزماوي Carduelis هي الطيور الثلاثة التي ذكرناها أعلاه. ملاحظة أخيرة طبعاً في ضوء ما ذكرناه أعلاه، نلاحظ أن تاريخ أيّة وثيقة نقرؤها على الإنترنت مهمّ. فالوثائق والمواقع القديمة ما تزال تنسب الكثير من الطيور إلى جنس الجزماوي. أمّا الجديدة فلا ينتمي فيها للجزماوي سوى الأنواع الثلاثة المذكورة فقط. وبعد فهذا ما أحببنا أن نقوله عن هذا الموضوع الشائك وأرجو أن يكون مفيداً لكل المهتمّين بتصنيف الطيور. وإن كان لنا تعليق في الختام فهو أن العلم لا يتناقض مع نفسه ولكن العلماء لديهم دائماً الشجاعة في مراجعة أنفسهم، وتعديل مفهومهم لما حولهم من كون ومكوَّنات. فما يرونه صحيحاً اليوم قد يرونه غير ذلك غداً وما يعتبرونه اليوم من البدهيّات، قد يصبح في المستقبل مفهوماً ساذجاً يحتاج المراجعة والتعديل. إن الثابت في العلم هو نسبة ضئيلة جدّاً منه مثل قوانين الفيزياء والكيمياء وغيرها، أما ما تبقّى منه فهو متحوّل. إنّها تذكرة لنا بضعف ما لدينا من علم وبأن العلم الحقيقي إنّما هو موجود عند الله العليم الخبير الذي أخبرنا بمقدار علمِنا بقوله ــ عزّ مِنْ قائل ــ في كتابه العزيز (وما أوتيتُم من العلم إلاّ قليلاً). فالعلم الذي عندنا مُستعارْ وهو عُرضةٌ للزوال فنحن الجاهلون على الدّوام وإلى لقاء قريب مع مواضيع أخرى متجدّدة بإذن الله. والحمدُ للّه ربّ العالمين ![]() |
![]() |
! | تحذير: هذا الموضوع حقوقه محمية ومحفوظة للتجمع الدولي لعلم الطيور. يمنع منعا باتا نقله او تداوله او الاقتباس منه. يجب أن يتم الاستئذان من الادارة ومن كاتب الموضوع قبل نقل اي شيء ومن يخالف سيتم اتخاذ الاجراءات القانونية بحقه. |
! | تحذير: كافة الحقوق محفوظة يمنع النقل والاقتباس قبل استشارة الادارة |






















































