![]() |
| بسم الله الرحمن الرحيم إخوتي الكرام في هذا المنتدى الطيّب السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لا يمكن أن نتحدّث عن تاريخ تربية الكناري دون أن نمرّ على التهجين Hybridization ، خصوصاً وأن هذه العملية الحيوية كان لها دور هام في نشوء عرق جديد في الكناري وهو كناري العامل الأحمر Red Factor Canary . يعتبر التهجين من الجوانب الطريفة لتكاثر الطيور (والحيوانات عموماً)، وهو إن دلّ على شيء فإنما يدل على طموح وفضول الإنسان الذي يسعى بشكل دائم للبحث عن الأفضل والمختلف والمجهول. في الطبيعة أوّلاً هنالك اعتقاد سائد بأن أوّل تجارب التهجين إنّما جرت على يد الإنسان الذي قام بالتخطيط له بين الحيوانات والطيور التي يمتلكها، وقد نفاجأ إذ نعرف أن التهجين موجود في الطبيعة من قبل أن يُخلق الإنسان. ونفاجأ أكثر إذا عرفنا حقيقة أنّ 40% من جميع نباتات الكرة الأرضية هي في الحقيقة ناجمة عن التهجين الطبيعي، والناتج هو نباتات مخصبة. ومن الحقائق العلمية أن النباتات تمارس التهجين في الطبيعة أكثر من الحيوانات ولكن هذا لا يعني أن الحيوانات لا تمارسه أيضاً. فهنالك أمثلة حقيقيّة في الطبيعة تثبت هذا الأمر: إن الذئب الأحمر الأمريكي الشمالي Red Wolf of North America هو في الواقع هجين بين الذئب الرمادي Gray Wolf والقيّوط Coyote. الذئب الأحمر الأمريكي ![]() وتقول الدراسات أيضاً إن 895 نوعاً من الطيور (وهذا يمثّل 10% من طيور الطبيعة) تمارس التهجين في الطبيعة! أمّا في الأسر فقد أحصى العلماء 1500 نوعاً من الطيور يمكن أن تقوم بالتهجين في الأسر (50 منها مع الكناري!) قواعد التهجين الثلاث يقول العلماء الذين درسوا التهجين بالتفصيل إن هنالك ثلاث قواعد تحكم هذه العمليّة الحيويّة: الأولى ــ الهجين قويّ ويعيش طويلاً: وهي ظاهرة تسمّى (قوّة الهجين) Hybrid Vigor . وهذه القاعدة معروفة من قِبَل المزارعين الذين يقومون بتهجين ذكر الحمار مع أنثى الفرس ويحصلون على الحيوان الذي يُسمّى (البغل) Mule المعروف بقوّته وقدرته على التحمّل. وأيضاً الهجين العكسي الذي يسمّى (النغل)Hinny . وهذه الحقيقة معروفة أيضاً من عشرات السنين على مستوى تربية الطيور، فقد ذكر Comte de Buffon في كتابه (التاريخ الطبيعي) Histoire Naturelle الصادر في العام 1750 أن الهجين بين الكناري والسيسكين، والكناري والحسّون أقوى وأجمل غناءً وأطول عمراً من الكناري أو الحسّون أو السيسكين. الثانية ــ التهجين هو أصعب من تزاوج حيوانين من النوع نفسه: والسبب في ذلك هو اختلاف الغذاء والعادات والميل الطبيعي بين الذكر والأنثى. والثالثة ــ النسبة العظمى من الحيوانات الهجينة هي عقيمة: وهذا الأمر عرفه العلماء منذ سنين طويلة، وذكره داروين في كتابه الشهير عن نشوء الأنواع ولكن نضع خطّاً تحت كلمة (النسبة العظمى) أي أن هنالك نسبة ضئيلة من الهجين هي مخصبة وقادرة على إنتاج الذرّيّة وهذه النقطة تهمّنا عند الحديث عن الكناري الأحمر في الحلقتين الثامنة والتاسعة من هذه السلسلة، ولكن نذكر هنا أن الهجين ربّما احتاج لسنتين أو ثلاث سنوات قبل أن يصبح مخصباً بعكس الكناري الذي يصبح كذلك بعمر سنة تقريباً. مربّو الطيور والتهجين لا يُعرف التاريخ الدقيق لقيام المربّين للمرّة الأولى بتهجين الكناري، ولكن ذلك كان على الأغلب في بدايات القرن السادس عشر بعد أن تأسس هذا الطائر في الأسر ونجح المربّون في تكاثره سواء في إسبانيا ثم في إيطاليا ثم في تيرول بالنمسا ثم في ألمانيا. وقد نجح المربّون في تلك الفترة في تهجين النعار الأحمر Red Siskin مع الكناري ولكن الأمر لم يأخذ الكثير من التغطية الإعلامية. علماً بأن كثيراً من المؤرّخين ــ وهذا منطقي ــ يعتقدون أن التهجين بين الكناري والنعار تم بشكل عفوي أثناء نقل هذه الطيور في السفن حيث كان الإسبان يحضرون الكناري من جزر الكناري، والنعار الأحمر من فنزويلا في السفن نفسها، ويضعونها معاً في الأقفاص نفسها، ومن ثمّ تمّت هذه العملية بشكل عفوي في البداية. رسوم قديمة لطيور فنش بعضها هجين ![]() متى ينجح التهجين لا يكفي أن يكون الطائران متقاربين في الحجم ليكون التهجين بينهما ناجحاً، بل لا بدّ من أن يكون هنالك تقارب بين نوعي الطائرينSpecies ليحصل النجاح ويتم إنتاج الهجين. ولنضرب على ذلك بعض الأمثلة: ــ إن الحسّون European Goldfinch لا يمكن أن يتم تهجينه مع العندليب European Nightingale . فعلى الرغم من تقارب الحجم بين هذين الطائرين، إلاّ أن عاداتهما، وغذاءهما، وغناءهما وسلوكهما تختلف كامل الاختلاف. والحقيقة أن هذين الطائرين لا يمكن أن يحصل بينهما علاقة جنسية (سفاد) Copulation أصلاً، ناهيك عن أن ينتج بينهما هجين. ــ أيضاً الحسّون European Goldfinch وطائر الدرسة الصفراء Yellowhammer لا يمكن أن ينتج عنهما هجين، مع أن كلّاً منهما ينتمي للطيور آكلة البذور ولا يختلفان كثيراً من حيث العادات، ولكن من حيث التصنيف الحيواني فإنّهما ينتميان لجنسين Genera مختلفين ولعائلتين Families مختلفتين أيضاً، أي لا يتحقّق بينهما التقارب الطبيعي المطلوب لحصول التهجين. طائر الدّرْسة الصفراء ![]() ــ ومن جهة أخرى فإن تزاوج ذكر الحسّون مع أنثى الدغناش الأوراسي Eurasian Bullfinch ، كثيراً ما يكون ناجحاً وينتج عنه هجين جميل. والسبب في ذلك انتماؤهما لجنسين حيوانيين متقاربين حيث ينتمي الأوّل لجنس Genus Carduelis والثاني لجنس Genus Pyrrhula وهذان الجنسان ينتميان لعائلة واحدة هي Carduelidae . ونذكر هنا أن الهجين بين هذين الطائرين يكون عقيماً. الدّغناش الأوراسي ![]() هجين ذكر الحسّون مع أنثى الدغناش الأوراسي ![]() ولمّا كان الكناري هو أحد طيور الفنش Finches فقد نظر المربّون حولهم وحاولوا تهجينه مع كل طائر يعرفونه وينتمي للفنش، ونجم عن ذلك فوائد علميّة كبرى. ولذلك فإن من يقوم بالتهجين فلا بدّ من أن يحتفظ بسجّلاته وأن ينشرها إن أتيحت له الفرصة لتعم الفائدة العلميّة. تجارب المربّين لقد اكتسب مربّو الكناري والهجين فوائد عظيمة من تجاربهم وتجارب الآخرين، وكذلك من خلال البحث في الكتب عن العلاقة بين الطيور من حيث تقاربها وتباعدها لدراسة فيما إذا كان من الممكن تهجينها مع الكناري أو مع طيور الفنش الأخرى، وكانت هنالك محاولات عديدة في هذا الباب. وتعدّدت أهداف العاملين في التهجين، فمعظمهم كان يحاول من أصل الحصول على تغريد مختلف، ولكن بعضهم كان يسعى للوصول للون جديد للكناري. ولا شكّ في أن أشهر المحاولات اللونية كانت محاولة الدكتور Hans Duncker ومن أتى بعده من المربّين للحصول على اللون الأحمر من النعار الأحمرRed Siskin، وهذه التجربة الفريدة التي سنتحدّث عنها بالتفصيل على مدار الحلقتين الثامنة والتاسعة من هذه السلسلة إن شاء الله. على أن هنالك محاولات أخرى تلت هذه التجربة وحاولت أن تقلّد نجاحها مثل الحصول على اللون الأسود من النعار الأسود Black Siskin، والنعار أسود الرأس Black Headed Siskin، والحسّون الأمريكي American Goldfinch وغيرها. وجميع هذه المحاولات نجحت في إنتاج الهجين، ولكن أيّاً منها لم ينجح في الحصول على فراخ مخصبة وبالتالي لم تنجح تلك المحاولة اللونية. بعض أشكال التهجين إن أكثر أنواع التهجين نجاحاً هو تهجين ذكر النغر الأوربي European Serin (Serin cini) مع أنثى الكناري. النغر الأوربي ![]() وتكون ذكور الهجين الناجمة عن هذا التكاثر مخصبة. وهنا أيضاً يمكن الحصول على الهجين العكسي بسهولة. فراخ هجينة (ذكر نغر أوربي مع كناري) ![]() وهنالك أيضاً تهجين ذكر الخضيري الأوربي European Greenfinch مع أنثى الكناري، وهو غير شائع بالرغم من سهولة نجاحه لأن الفراخ لا تكون ألوانها زاهية، وتشيع الألوان المبرقشة Variegated . ويمكن أيضاً هنا الحصول على الهجين العكسي بسهولة. وينطبق الأمر نفسه على حالة تهجين ذكر النعار الأوراسي Eurasian Siskin مع أنثى الكناري، حيث أن تغريد الهجين عادي وألوانه لا تكون زاهية، وبالتالي لا يقبل على هذا التهجين الكثير من المربيّن إلّا من باب الفضول. أمّا أشيع أنواع التهجين مع الكناري فهو ذكر الحسّون مع أنثى الكناري، وكلّنا نعرف التغريد الرائع لذلك الهجين وخصوصاً إذا أُحسِن تدريبه. والتهجين العكسي هنا هو أكثر صعوبة. هجين ذكر حسّون أوربي مع أنثى كناري ![]() ولا تنتهي هذه السلسلة حيث نجح المربّون في تهجين الكناري مع الكثير جدّاً من أنواع الطيور. كما نجحوا في تهجين أنواع الفنش مع بعضها. ونذكر هنا أن المربّين الناطقين باللغة الإنكليزيّة يسمّون الهجين الناجم عن الكناري مع الفنش باسم Mule . أمّا ذلك الناجم عن فنش مع فنش فيسمّى Hybrid . وأمّا المربّون الألمان فيستخدمون في الحالتين كلمة Bastard وهي التي تعني أيضاً (الخلاسي) من البشر أي النسل الناجم عن تزاوج عرقين. النعار الأحمر Red Siskin ربّما كان تهجين الكناري مع طائر النعار أكثرعمليّة تهجين أثّرت على مسيرة طائر الكناري نفسه. أي أن الأمر تجاوز الحصول على هجين كهدف بل كان وسيلة لنقل اللون الأحمر إلى الكناري. النعار الأحمر ![]() إن منشأ النعار الأحمر هو (فنزويلا)، وكان أهل ذلك البلد يربّونه في أقفاص منذ القرن الخامس عشر الميلادي، أي قبل ظهور الاستعمار الإسباني في العام 1530. إن الإسبان الذين بدؤوا بالمتاجرة بالكناري منذ العام 1402 بعد أن غزوا موطنه الأصلي، وعرفوا معنى الربح الناجم عن ذلك، رأوا في النعار الأحمر مصدراً محتملاً للرزق، فبدؤوا بإحضاره معهم إلى أوربّا. والحقيقة أنهم لم ينجحوا في نشر هذا الطائر في أوربا لأن إقبال الناس عليه لم يعادل إقبالهم على الكناري الذي تميّز بغنائه الجميل وتأقلمه على الأسر. وبالتالي فلم يعرف النعار الأحمر في النطاقين التجاري والعلمي على نطاق واسع إلّاً في العام 1830 أي بعد ثلاثة قرون من بدء استيراد الإسبان له. وكان أوّل عالم قام بدراسته هو عالم الطيور البريطاني الشهير ويليام سوينسون William Swainson الذي ولد عام 1789 وتوفي عام 1855). ويليام سوينسن ![]() رسم النعار الأحمر في كتب سوينسن ![]() وسنتحدّث بالتفصيل عن عملية تهجين الكناري مع النعار الأحمر في الحلقة الثامنة والتاسعة عند تناولنا لموضوع الكناري الأحمر. وسيكون هنالك تمهيد لهذا الأمر عند حديثنا عن كناري الألوان بشكل عام والذي سيكون موضوع حديثنا في الحلقة القادمة بإذن الله. ![]() |
![]() |
! | تحذير: هذا الموضوع حقوقه محمية ومحفوظة للتجمع الدولي لعلم الطيور. يمنع منعا باتا نقله او تداوله او الاقتباس منه. يجب أن يتم الاستئذان من الادارة ومن كاتب الموضوع قبل نقل اي شيء ومن يخالف سيتم اتخاذ الاجراءات القانونية بحقه. |
! | تحذير: كافة الحقوق محفوظة يمنع النقل والاقتباس قبل استشارة الادارة |




















































