![]() |
| بسم الله الرحمن الرحيم إخوتي الكرام في هذا المنتدى الطيّب السلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحدّثنا في الحلقة الماضية عن كناري الألوان وكيف أن اللون الأوّل الذي نشأ بعد الأخضر ــ الذي هو اللون الأصلي للكناري البري ــ كان الأصفر ثم الأبيض، ونشأت ألوان أخرى بالطفرات التدريجية التي تمّ تدعيمها وتكريسها بالتزاوج الانتقائي. نشأت ألوان كثيرة إذاً.... وطرأت عليها طفراتٌ متعدّدة أدّت إلى تنوّع لوني كبير في الكناري، وظل هنالك لون لم يحصل بالطفرات، وغدا حلماً يراود الكثير من المربّين... اللون الأحمر!! رائد اللون الأحمر في الكناري إن الرائد الحقيقي للكناري الأحمر كان هانز دنكر Hans Duncker. ولد (دنكر) في العام 1881 (أي قبل وفاة ماندل مؤسس علم الوراثة بثلاث سنوات)، وكان ميلاده في مدينة Ballenstedt على سفوح جبال Harz في ألمانيا. وقد تطرّقنا إلى تاريخ هذه المنطقة الجبليّة الساحرة في الحلقة الثالثة من هذه السلسلة عندما تكلّمنا عن نشوء كناري الرولر. جبال هارتز في ألمانيا ![]() كانت جبال هارتز في العام الذي ولد فيه (دنكر) تنتج 150 ألف ذكر كناري مغرّد كلّ عام!!!! غنيٌّ عن الذكر بالتالي أن هذا الرّجل نشأ بين الطيور المغرّدة التي كان يراها في أقفاص معلّقة أمام أبواب البيوت وفي المحلّات التجاريّة. كان جدّه يأخذه معه للأسواق وكان يشاهد إضافةً للكناري أنواعاً عديدة من الطيور المغرّدة التي كان يقتنيها أهل تلك الجبال، ومنها حسّون الظالم Chaffinch والتفّاحي Linnet والردبول Redpoll وغيرها. كان اتّجاه (دنكر) علميّاً صرفاً، وأراد ــ تحت التأثير الجارف لمحيطه ــ أن يتّجه لدراسة الطيور. واستشار والده الذي كان قاضياً ذا مكانة كبيرة في ألمانيا، فوافق على هذا واشترط عليه أن يبدأ بدراسة علم الأحياء Biology كي تكون بدايته علميّةً صحيحة. وبالفعل سافر الفتى إلى جامعة مدينة Göttingen على الجانب الآخر من جبال هارتز والتحق بكليّة العلوم. كانت هذه الجامعة وقتها (العام 1901) هي الأفضل في ألمانيا كلّها. ركّز في البداية على علم البستنة Botany ثم انتقل إلى الدراسات الحيوانية Zoological Studies. الموقع الجغرافي لجبال هارتز ![]() في 1905 حصل على الدكتوراه ليصبح اسمه (السيّد الدكتور دنكر) Herr Doktor Duncker حسب التقاليد التي كانت شائعة في ألمانيا في ذلك الحين!!! في ذلك العام أيضاً ألّف كتابه (طرق هجرة الطيور) (The Migration Routes of Birds) (Wanderzug der Vogel) وحصل على جائزة من الجامعة المذكورة عن كتابه هذا، ثم انتقل إلى مدينة Bremen في العام نفسه وأصبح يدرّس البيولوجيا والرياضيات والفيزياء في عدة مدارس ثانوية. وانضم في تلك المدينة إلى (جمعيّة التاريخ الطبيعي). في العام 1912 ألّف عدّة كتب مصوّرة في اختصاص البيولوجيا كان هدفها تعليم المعلّمين كيف يدرّسون هذه المادّة. منذ طفولته، كان لدى (دنكر) حلمٌ واحد وهو (إحداث فتح ما في عالم الطيور) وقد ازداد هذا الحلم توهّجاً في هذه الفترة، ولكن سرعان ما بدأت الحرب العالمية الأولى في 28 تمّوز (يوليو) من العام 1914 وتوقّف كل شيءٍ تقريباً في البلاد. واضطرّ للالتحاق بالجيش كضابط وخاض هذه الحرب وأصيب بجروح طفيفة وحصل على عدّة ميداليّات. بعد 4 سنوات وضعت الحرب أوزارها وعاد للعمل في مجال الطيور والتقى بأستاذ قديم له اسمه Ehlers كان من أكبر دعاة نظرية (داروين) في التطوّر. وبالرغم من خلفيّته الدينيّة، فقد تمكّن أستاذه المذكور من أن يحوّله للداروينيّة، وظل يعتنق مبادئها حتى آخر أيّام حياته. لقاء تاريخي قُدّر لمسيرة (دنكر) نحو تحقيق حلمه القديم أن تبدأ يوم 2 آب (أغسطس) من العام 1921 وكان عمره 40 عاماً، فقد خرج ذلك اليوم من بيته في مدينة Bremen الألمانية، وبينما كان يمشي في أحد الشوارع سمع تغريد عندليبNightingale (Rossignol philomèle) . استغرب كثيراً لأنه لا توجد عنادل في وسط المدينة وهي لا تغني في شهر آب بجميع الأحوال. وشكّل هذا الأمر لغزاً بالنسبة له. لم يفهم هذه القصة لذلك عزم على العودة إلى المكان نفسه ليحل هذا اللغز. التقى بعد ذلك بصاحب هذا الطائر المغرّد. ولم يكن هذا الرجل سوى Karl Reich أحد أشهر مربّي الطيور في ألمانيا والذي أتينا على ذكره في الحلقة الثالثة من هذه السلسلة. كان عمر رايخ 36 عاماً، وكان قد اكتسب شهرة كبيرة بسبب طيوره التي أطلق عليها اسم (الكناري العندليب) Nightingale Canaries والتي قضى جانباً كبيراً من عمره في تطويرها. اكتشف (دنكر) إذاً أن ذلك الطائر الذي استمع لصوته لم يكن عندليباً بل كان طائر كناري تمّت (هندسته وراثيّاً) ليغرّد كالعندليب!! ولكن كيف يكون ذلك ممكناً في عصر لم تكن فيه سوى معرفة بسيطة عن الوراثة متمثّلة بما توصّلت إليه أبحاث غريغور ماندل وهي تعتبر (بدائيّة) بكل المعايير؟ صداقة مثمرة دخل (دنكر) إلى منزل (رايخ) الذي أطلعه على غرفة طيوره وشرح له كيف طوّر هذه الطيور عبر السنوات. واستمع لهذه القصّة التي لم يرَ فيها ــ كعالم ــ سوى نجاح للهندسة الوراثية، فافتتن بها تماماً. دنكر يحمل السيجار ورايخ يحمل أحد طيوره في العام 1921 ![]() لم يكن رايخ سوى صاحب دكّان بسيط. فكيف استطاع أن يقوم بهذا العمل؟ اعتقد رايخ أن سرّ نجاحه كان يكمن في مثابرته على تدريب طيوره. أما دنكر (الذي كان مؤمناً بنظريّة داروين) فرأى في الأمر دلالة على تطوّر جيني وراثي تضافر مع تأثير بيئي. أصبحت هنالك شراكة بين الرجلين أدّت لاحقاً إلى تطوّر كبير في عوالم الكناري، وبالذات في لون الكناري. الشراكة كانت مثاليّة... (رايخ) كانت لديه خبرة في تربية الطيور ومكان لتكاثره أمّا (دنكر) فكان رجل علم ولديه معرفة بالوراثة، والأهم من هذا وذاك، كان لديه ذلك الحلم الكبير بتحقيق فتح في عالم الطيور. الفكرة تنضج غادر (دنكر) منزل (رايخ) وذهنه مليء بالأفكار. وكان يلحّ عليه سؤال محدّد: إذا كان (رايخ) قد تمكّن من تطوير كناري يغني كالعندليب، فلماذا لا نحاول أن نفعل ما لم يفعله أي من المربّين من قبل؟ لماذا لا نقوم بإنتاج طائر كناري أحمر؟!! كان هذا هو (الفتح) الكبير الذي يريد أن يحدثه في عالم تربية الطيور. تحقيق لما لم يحققه أحد. وإذا كان هذا اللقاء قد تم فعلاً في العام 1921 فإن التنفيذ احتاج لتخطيط فكري واجتماعات متكررة وأحاديث مطوّلة بين الرّجلين على مدار عامين أعطت (رايخ) حماساً كبيراً لمشروع (دنكر)، وقد تعرّف في تلك الفترة ــ من خلال (رايخ) ـــ على رجل آخر كان له دور في المشروع يُدعى Cremer وهو رجل ثريّ من مربّي البادجي والكناري وطيور النعار الأحمرRed Siskin (Chardonneret rouge) الذي كان يُستورَد من فنزويلا. لقد كانت أهمّية وجود (كريمر) في أنّه آمن بالفكرة إلى درجة أنّه وفّر التمويل ومكان التكاثر وأعطى بذلك (دنكر) فرصة نادرة يتمنّاها أيّ عالم وأيّ هاوٍ للطيور. كريمر الذي موّل المشروع الكبير للكناري الأحمر ![]() وبدأ المشروع! في العام 1923 بدأ (دنكر) و (رايخ) برعاية (كريمر) مشروعهما. قام الرجلان بالتالي بدراسة كاملة لعلم الوراثة المتعلّق بلون الكناري. لقد بيّنت أبحاثهما أن ألوان الكناري تنتقل وفقاً لقوانين الوراثة التي اكتشفها ماندل والتي كان (دنكر) قد درَسها بالتفصيل في الجامعة. كما بيّنت هذه الأبحاث أن الوصول للألوان الزاهية للكناري (كالأصفر والأبيض) التي كانت متوفرة في ذلك التاريخ (1921) تطلّبَ الكثير من العمل من قبل مُربّي الكناري حتى يتم الانتقال من الألوان الداكنة الخضراء التي كان يتصف بها الكناري البرَي. صحيح أن الأمر بدأ على شكل طفرات، ولكن ما كان لهذه الألوان أن تُكرَّس لولا التكاثر الانتقائي الذي قام به المربّون. كانت فكرة (دنكر) بالبساطة التالية: لماذا لا نقوم بأخذ جينات اللون الأحمر من طائر النعار الأحمر Red Siskin وهو قريب للكناري ويعيش في أمريكا الجنوبية، ونزرعها في الكناري الأصفر لإنتاج كناري أحمر؟ النعار الأحمر ![]() كان ينظر إلى النعار الأحمر في غرفة كريمر للطيور ويفكّر... هل يمكن أن ننقل هذا اللون الأحمر للكناري؟ الفكرة كانت بسيطة ولكن التطبيق كان معقّداً ويحتاج إلى علم وصبر. كانت فكرة التهجين بين الطيور كما رأينا في حلقة سابقة مطروقة، ولكن لم تكن تحصل بهدف نقل اللون وإنتاج طيور (كناري) ملوّنة، بل ببساطة لإنتاج (هجين) ذي أغنية جميلة وغنيّة. كان قد قرأ خلال دراساته المتعددة أن بعض الطيور الناجمة عن التهجين بين الكناري والسيسكين في كوبا والمكسيك كانت مخصبة. كما كان قد قرأ في دراسات (داروين) و(هرفيو) وغيرهما أن (معظم) الذرية الناجمة عن التهجين تكون عقيمة. إذاً يمكن أن يكون الهجين مخصباً!!!! كلمة (معظم) أعطته بصيصَ أمل. لقد اطّلع (دنكر) قبل أن يقوم بعمل التهجين بين الكناري والنعار الأحمر على أعمال علماء آخرين منهم الدكتور رودولف غالاوي Rudolf Galloway وهو طبيب عيون سكوتلندي وهاوٍ لتربية الكناري وتهجينه ودراسة وراثته. وقد نجح على وجه الخصوص في تهجينه مع النعار الأوربي European Siskin . وفي الموقع التالي تفاصيل عن هذا الأمر لمن أحب التوسّع: http://finespangledsort.com/12-rudolf-galloways-theory/ الأصفر والأخضر في الوقت الذي بدأ فيه المشروع كان الكناري متوفّراً بألوان عديدة منها الأخضر (الأصلي) والأصفر والمبرقش Variegated (Panaché) أي المشكّل من هذين اللونين معاً. و كانت هنالك في ذلك الوقت ألوان جديدة للكناري مثل الأبيض مثلاً و لون القرفة Cinnamon وكذلك أشكال جديدة مثل الليزارد في بريطانيا وكانت هنالك طيور Norwich بلونها البرتقالي علماً بأن كل كناري الشكل مثل النورويش واليوركشير واللانكشير كلها كانت موجودة بألوان مختلفة. وكان هنالك سؤال كبير لدى (دنكر): هل تتم وراثة ألوان الكناري بطريقة مندليّة؟ هل تتبع قوانين مندل في الوراثة؟ بدأ دنكر ورايخ بدراسة ألوان الكناري من خلال تزاوج الكناري الأصفر والأخضر والمرقّش. وبينت دراساتهما أن اللون في الكناري يورث فعلاً بطريقة ماندليّة. وكان ذلك الاستنتاج بحدّ ذاته هامّاً لأنه يشكل مفتاحاً لدراستهما القادمة. البحث عن اللون الأحمر في العام 1926 بدأ (دنكر) بتزويج الكناري مع النعار الأحمر وتم إنتاج عدد جيّد من الهجين وهذا كان هو الطور الأوّل Phase One من المشروع. والآن أتى دور الطور الثاني من التجربة Phase Two وهو (محاولة تزويج إناث الهجين مع ذكور الهجين) وكان هذا الطور فاشلاً حيث حصل إنتاج عدد قليل من البيوض وكلها لم تفقس، حيث كانت الذكور ترغب بالتزاوج والإناث ترفض ذلك. قام دنكر بتشريح بعض الطيور الهجينة ووجد أن المبايض والرحم في معظم الإناث كانت ضامرة بينما كانت أعضاء التكاثر في الذكور طبيعية، ولكن ما الفائدة إذا كانت الإناث عقيمة؟ بدأ كريمر يضغط على دنكر لأنه استثمر كثيراً من المال في المشروع وأراد نتائج مربحة وسريعة. خطّة جديدة غيّر دنكر الخطة وقرّر تزويج ذكر الهجين لأمه الكناري بالتصالب الراجع الذي يسمّى عند علماء الوراثة Back-Crossing والناتج المتوقّع سيكون مزيجاً وراثياً ( 75% كناري و25% نعار) وهو اختار أكثر طيور الهجين احمراراً بحثاً عن تكريس اللون الأحمر في الذراري. بدأ تنفيذ هذه الخطّة الجديدة في العام 1928 وكانت النتيجة أن عدداً قليلاً من البيوض الناجمة عن هذا التصالب الراجع كانت مخصبة. تم وضع هذه البيوض المخصبة تحت أزواج من الكناري عُرفت بكونها تطعم الفراخ بشكل جيد. وتم الحصول بالفعل على بعض الفراخ. كانت الخيبة كبيرة فهذه الفراخ كانت نحاسية Coppery (Brassy) برونزية(Bronze) ولم تكن حمراء كما أرادها. ولكن ماذا عن الكناري الأبيض؟ استنتج دنكر أن تداخل جينات اللون الأصفر للكناري مع جينات الأحمر في النعار أدّت للوصول إلى اللون النحاسي (المشابه للصدأ Rusty ) وليس للأحمر. نظر إلى الأمر كمعركة بين الأصفر والأحمر. وخطرت له فكرة.... لماذا لا أستخدم الكناري الأبيض ليظهر اللون الأحمر؟ استخدم دنكر الكناري الأبيض القاهر Dominant White للتكاثر مع السيسكين وبدا مشروعه من جديد. وللمرة الثالثة أصيب بالإحباط فالفراخ التي تم الحصول عليها في النهاية كانت إمّا رمادية أو نحاسيّة!!! الطيور التي أنتجها كانت تحمل درجة لونية نحاسية حمراء Coppery Red Hue ولكنها لم تستطع أن تنتج طيوراً ذات لون أحمر قرمزي Crimson قوي كتلك التي يحملها النعار. جرّب بعد ذلك الأبيض المقهور Recessive White ولفترة قصيرة قبل أن يفتر حماسه ويتوقف عن التجربة. وقد ألقى في العام 1929 محاضرة يحث فيها المربّين على متابعة تجاربه في تهجين الكناري الأبيض المقهور مع النعار الأحمر للحصول على الكناري الأحمر. رسوم لبعض الطيور التي حصل عليها دنكر ![]() نجاح أم فشل؟ يمكننا أن نقول إن (دنكر) حقّق نصف نجاح في ما كان يسعى إليه! لقد كانت النتيجة النهائية للمشروع الطويل والمضني والمبتكر الذي قام به الفريق الثلاثي (دنكر) و (رايخ) و(كريمر) هي الحصول على طيور كناري مخصبة ذات لون نحاسي محمرّ وليس على طيور حمراء تشبه النعار الأحمر في لونها. فهل كان هذا نجاحاً أم فشلاً؟ إن العلماء الذين يقيّمون اليوم عمل هذا الفريق يقولون إن النتيجة كانت نصف نجاح. فمن جهة تمكّن الفريق من زرع جينة اللون الأحمر في طائر جديد هو في حقيقة أمره كناري مخصب يحمل جينة مستعارة من النعار الأحمر. ومن جهة أخرى لم يستطع ذلك الفريق أن يرى بأم عينه الطائر الأحمر الذي حلم به. فما هو سبب عدم حصول النجاح الكامل؟ النازيّة هي السببّ!!!! قد يكون من المستغرب أن تكون مبادئ سياسية منحرفة هي السبب في عدم نجاح مشروع متعلّق بالطيور ولكن هذه هي الحقيقة. لم ينجح دنكر بإنتاج كناري أحمر لأنه ركّز إيمانه إلى درجة السذاجة على علم الوراثة ولم يعترف بدور البيئة. فمن أين أتى هذا الاعتقاد؟ في تلك الفترة كانت الأفكار النازية تسيطر تماماً على عقل نسبة لا يستهان بها من جيل الشباب الألماني سواء قبل استيلاء النازية على الحكم في ألمانيا في العام 1933 أو بعد ذلك. فالاعتقاد الفكري كان يكتسح عقول الشباب الألمان. إيمانهم بالتفوّق الجيني للعرق الآري بصرف النظر عن البيئة التي قد يعيش فيها الإنسان المنتمي لذلك العرق أعمت الأبصار وانتقلت إلى العلم وتسرّبت العلماء وكان (دنكر) أحدهم!! وكأن لسان حاله يردّد مع الشاعر العربي الجاهلي وما أنا إلاّ من غزيّةَ إن غَوَتْ غويتُ وإن تَرشُد غزيّةُ أرشدِ رفض (دنكر) أن يعترف بأن اللون يمكن أن يُحدَّد بأي شيء غير الجينات. لم يقبل أن عوامل البيئة تشترك أيضاً في تحديد اللون، ولكن هذه الحقيقة اكتشفها آخرون في عصور لاحقة أكثر تنوّراً. ولا شكّ في أن (دنكر) هو الرائد في قضيّة الحصول على الكناري الأحمر لسبب بسيط هو أن مشروعه هذا ألهب خيال مربّي الكناري في العالم كلّه وخلق حمّى مسعورة بحثاً عن تلك الجوهرة الثمينة التي حلم بها: الكناري الأحمر!!! كان (دنكر) يحاول أن يحقق حلماً مستحيلاً وهو طائر كناري أحمر دون أن يطعمه أي غذاء يُظهر هذا اللون في ريشه. ولذلك فلم يُقدّر له أن يرى هذا الطائر. ولو أنه أطعم تلك الطيور التي حصل عليها بعض الأطعمة كالفليفلة الحمراء مثلاً، لرأى بين الفراخ التي حصل عليها طيوراً تقترب كثيراً مما كان يحلم به. هذه الحقيقة لم يدركها دنكر وأدركها علماء أتوا بعده وحملوا لواء الكناري الأحمر ووصلوا به إلى ما وصل إليه الأمر اليوم. إن الفراخ التي حصل عليها دنكر كانت بحاجة لأمرين هما أوّلاً زيادة نسبة الجينة الحمراء في مورّثاتها، والثانية هي غذاء يظهر جماليّة هذا اللون. وهذا ما فعله من حمل الشعلة بعده والذين سنتحدّث عنهم في الحلقة القادمة. تأليف وعلم وإلهام صحيح أن نجاح (دنكر) الجزئي سبّب له الإحباط، لكنه بالمقابل أصبح مرجعاً في علم الوراثة عند الكناري، ونشر كتاباً باللغة الألمانية أسماه (الوراثة عند الكناري) Genetik Der Kanarienvogel ونجح هذا الكتاب نجاحاً بالغاً، فقد كان مربو الكناري ينتظرون كتاباً علمياً يبحث في وراثة الكناري. وظل يكتب في مجلّة Vögel ferner Länder المتخصصة بالطيور وينشر أفكاره بشأن الكناري الأحمر. صورة لأحد أعداد هذه المجلّة ![]() ومن الطرائف أن هذه الكتابات أصبحت مصدر إلهام للكثيرين لدرجة أنها شجّعت مجرماً شهيراً يُدعى Robert Stroud المسجون سجناً انفراديّاً لخمسين عاماً والملقّب برجل طيور ألكاتراز Birdman of Alcatraz لإنتاج طيور كناري ملوّنة روبرت ستراود مع طيوره ![]() لقد ذاعت شهرة دنكر في أوربا والعالم بأسره بين مربي الكناري وأطلقت تجاربه حمّى واسعة من المحاولات عند مربي الطيور لإنتاج الكناري الاحمر. وازداد الاهتمام بكناري الألوان لدرجة عظيمة. ومن يراجع التاريخ يجد أن مجلّة Kanaria نشرت عدداً كاملاً في العام 1938 عن كناري الألوان بسبب أعمال (دنكر) وما أدّت إلي من أصداء عمّت العالم كلّه. النهاية في عام 1938 مات كرمر الذي كان يموّل المشروع. وفي العام 1939 أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا بعد أن غزت الأخيرة بولندا، وفي العام 1942 تحطم دكان رايخ بالقصف وتخلى مثل معظم مربي الطيور عن تلك الهواية لأنه كان بالكاد يجد طعاماً لنفسه وعائلته ولم يعد يلتقي بدنكر ابداً كما أن طيوره (الكناري العندليب) التي بذل جهداً كبيراً لتطويرها انقرضت نتيجة للحرب، ولم يعُد لها ذكر بين مربّي الطيور. لقد هُزمت ألمانيا النازية! وفي العام 1945 دخلت القوات البريطانية إلى ألمانيا وقد تحطّم دنكر وهو يرى أرتال الأسرى الألمان يُساقون في شوارع المدن الألمانية. أرتال من الأسرى الألمان في شوارع ميونيخ في شهر مايو 1945 ![]() وجُرّد دنكر من عمله التدريسي بسبب قرار اتخذه روزفلت وتشرشل وستالين المنتصرون لإزالة النازيين أو المتعاطفين معهم Denazification من كل منصب ذي شأن في الحكم او المجتمع. كان النازيّون قد أعطوه مهمة تنقيح كل كتب البيولوجيا في البلاد لتتناسب مع الأيديولوجيا النازية!! بهزيمة النازية اختفى الكناري الأحمر من ألمانيا لأن دنكر توقف عن متابعة المشروع. في العام 1948 تقاعد دنكر من مهنة التدريس بعمر 67 سنة ، وعمل رئيساً فخرياً لمتحف ما وراء البحار Übersee-Museum في مدينة برمن الألمانية وقام بتصنيف الطيور المحنّطة (بما فيها طيور النعار الأحمر) وحتى بعض طيور الهجين التي أنتجها حين عمله مع رايخ وكريمر. ألقى في العام 1951 محاضرة عبّر فيها عن شعوره بالفشل في إنتاج الكناري الأحمر. وقال: إن الكناري الأحمر لا يكون أحمر إلاّ بإطعامه الفليفلة الحمراء Cayenne Pepper وهذا ليس ما كنت أصبو إليه. لقد أراد طائر كناري أحمر دون أي نوع خاص من الطعام. كان متمسّكاً بفكرة (العرق) حتى وفاته في العام 1961! تحليل علمي معاصر لعمل (دنكر) تتمثّل ريادة (دنكر) في استشرافه للمستقبل في وقت لم يكُن العالم يعرف فيه عن الوراثة إلاّ القليل فمفهوم المورّثاتGenes والــ DNA وغيرها لم تكن معروفة إلاّ على نطاق ضيّق جدّاً. ونبدأ تحليلنا هنا بتوجيه سؤال: ماذا نعني بالحيوان المعدّل وراثيّاً Genetically Engineered Animal؟ الجواب هو أنه هو الحيوان الذي يحمل في مجموع مورّثاته التي ندعوها الجينوم Genome جيناتٍ من عضويّة أخرى (سواء كانت حيواناً أو نباتاً أو جرثوماً أو طفيليّاً إلخ). لقد تطوّر علم الوراثة اليوم بحيث أن بإمكان العلماء أن يزرعوا جينات إنسان في بكتريا مثلاً، ولم يكن الأمر كذلك في العام 1921، وبالتالي فإن الفكر المنفتح لهانز والذي يستشرف المستقبل كان عملاً عظيماً بكل مقياس، وهو أعطى هواية الكناري مجداً عظيماً لأن الكناري الأحمر هو ببساطة (أوّل حيوان معدّل وراثياً عن سابق تصميم وإصرار وبهدف معيّن)! في عالم اليوم يمكن أن يتم نقل الجينات في المخبر. أمّا في ذلك الوقت فكان لا بد من أن يتم الأمر من خلال العلاقة الجنسية (السّفاد) Copulation بين حيوانين كالحصان والحمار مثلاً. الكناري الأحمر الذي نعرفه اليوم هو معدّل وراثيّا (أو عابر للجينات Transgenic ) لأنه يحوي جينات من نوع Species آخر هو النعار الأحمر. هذا الكناري تم الوصول إليه من خلال تزاوج الناتج بين الكناري والنعار مع كناري من جديد وهذا يسمّى Back-Crossing بحيث يتم التخلّص من معظم الجينات الآتية من النعار مع المحافظة فقط على الجينات اللونية. السبب في فشل هانز الجزئي كان في حقيقة أن المعرفة الوراثية كانت بسيطة جداً ومقتصرة على القواعد المندلية، ولكننا نعرف اليوم أن هنالك أسباباً كثيرة تغيّر النسب التي اعتقد ماندل بوجودها مثل النسخ الجيني Genomic Imprinting والتداخل بين الجينات والبيئة Gene-Environment Interaction وتأثيرات الأم Maternal Effects وغير ذلك من العوامل العملية المعقّدة. أحد أسباب الفشل كان مبدأ روح العصر التي كان يطلق عليها بالألمانية Zeitgeist الذي كان ينتشر في ألمانيا في العشرينات والثلاثينات وقد وصل الأمر إلى درجات بشعة. لقد وصلت النازية إلى الحكم في العام 1933 وكانت كما نعلم مؤمنة بفوقيّة العرق الآري وبالتالي فقد كانت هذه العقيدة تعتمد على أن (الجينات هي كل شيء)!! كان هانز وقتها معلّم مدرسة وقد جرفه التيّار النازي حيث استغل أبحاثه ليوظفها في خدمة العقيدة النازية. نعم لقد قام النازيّون حتى باستغلال البيولوجيا لصالح أفكارهم. في تلك الفترة كانت النازية تحرز تقدماً كبيراً في ألمانيا وانتشرت أفكار اليوجينية Eugenics والتي كانت تعني تحسين النسل من خلال منع الأشخاص الأقل كفاءة من التكاثر!!! لقد اعتنق (دنكر) اليوجينية بل وحاضر فيها بحكم ولائه السياسي للنازيّة واعتناقه لفكرها، وهذا الانتماء جعل العلماء يتجنّبون ذكره فلم يصبح مشهوراً عبر التاريخ مثل ماندل وداورين وغيره من العلماء مع أنّه قد لا يقلّ عنهم من حيث القيمة العلمية الصرفة. بل إن انتماءه هذا أعطى البيولوجيا سمعة سيّئة لأنها أصبحت بالنسبة للكثيرين مطيّة لدعاة التفوّق العرقي للآريّة. لقد حمل راية الكناري الأحمر بعد أن تخلّى عنها (دنكر) كثير من العلماء الذين قُدّر لهم أن يروا نجاحهم بأعينهم لأنهم آمنوا بتأثير البيئة كما آمنوا بتأثير الجينات، ولم تشوّه الرؤية لديهم أفكار سياسية أو عرقية أو يوجينيّة. وهذا ما سنتحدّث عنه في الحلقة القادمة إن شاء الله. ![]() |
![]() |
! | تحذير: هذا الموضوع حقوقه محمية ومحفوظة للتجمع الدولي لعلم الطيور. يمنع منعا باتا نقله او تداوله او الاقتباس منه. يجب أن يتم الاستئذان من الادارة ومن كاتب الموضوع قبل نقل اي شيء ومن يخالف سيتم اتخاذ الاجراءات القانونية بحقه. |
! | تحذير: كافة الحقوق محفوظة يمنع النقل والاقتباس قبل استشارة الادارة |

































































