![]() |
| بسم الله الرحمن الرحيم الإخوة الكرام في هذا المنتدى الطيّب السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بحثنا بالتفصيل في الحلقة الثانية من هذه السلسلة في مجموعة من الأفكار المتعلّقة بالوراثة بما فيها المصطلحات المستخدمة في هذا الباب. ولكن قبل أن نخوض في غمار طفرات الحسّون فلا بد من أن تكون لدينا المعلومات الأساسية عن الألوان في الحسّون، وعن التوزّع اللوني في الحسّون الموجود في الطبيعة والذي لم يخضع لأيّة طفرات، وسنطلق عليه في هذه السلسلة تعبير (الحسّون الأصلي) Ancestral . علم اللون في الحسّون إن قواعد العلم اللوني في الحسون هي نفسها التي تنطبق على الكناري، وكنت قد تحدّثت عن هذه الأمور عندما تكلّمت عن (كناري الألوان) في سلسلة سابقة، ولكن لا بد من إعادتها هنا حفاظاً على تكامل الموضوع، وحتى تكون بدايتنا تدريجية وعلى أسس سليمة. ![]() إن الألوان في الحسّون (والكناري أيضاً) ناجمة عن نوعين من الصباغ: أوّلاًــ اللايبوكروم Lipochrome وهي كلمة تعني (الصباغ الشحمي) لأن هذا الصباغ ينحل في المخبر في الشحوم (أي الزيوت أو الدهون) فهو مصطلح كيميائي بحت. ونذكر هنا أن البادئة Lipo تعني الشحم، وأن كلمة Chrome تعني الصباغ. إن صباغ اللايبوكروم في الكناري والحسّون يتمثّل بمجموعة مركّبات التي تُدعى الكاروتينات Carotenes أو ما يُتَرجم أحياناً بكلمة (أشباه الكاروتين) ويوجد منها أكثر من 600 نوع في الطبيعة.وهي تضم الكاروتين ومجموعة أخرى تدعى الزانثوفيلات Xanthophylls . الكاروتين موجود في الجزر وكذلك في الكثير من الخضار الورقية (خس، ورق فجل إلخ) والفاكهة ذات اللون البرتقالي. أمّا الزانثوفيلات فهي موجودة في الخضار الورقية وبعضها مثل اللوتين Lutein موجود أيضاً في صفار البيض. يتم تحوّل هذه المواد الموجودة في الغذاء وفقاً للتركيبة الجينية للطائر فنحصل على اللايبوكروم الأصفر، أو اللايبوكروم البرتقالي، أو اللايبوكروم الأحمر. وهذا ينعكس في النهاية على لون الريش. يتراوح اللون اللايبوكرومي إذاً من الأصفر إلى البرتقالي إلى الأحمر (حسب جينات الطائر). ونذكر هنا أنه في كناري الألوان اللايبوكروم هنالك ثلاثة أشكال : الشديد Intensive وغير الشديد Non-Intensive والموزاييكي Mosaic وهذه الدرجات أيضاً تحدّدها التركيبة الجينية للكناري. وهذه الأشكال ليست معروفة في الحسّون بالشكل الواضح الموجود في الكناري والذي تمّت دراسته بشكل مسهب (وإن كان البعض يتحدّث عن الحسّون العاجي Ivory وهو نادر جدّاً). ثانياً ــ القتامين Melanin وهو يعطي الألوان القاتمة كالأخضر والأسود والبني والرمادي. على أن صباغ القتامين (أو الميلانين) له نوعان: 1 ــ اليوميلانين (أو الميلانين السوي) Eumelanin وهو ظاهر بوضوح في الكناري الأخضر والبرونزي والأزرق الداكن Intensive Blue وهو دائماً موجود في القسم الأوسط للريشMiddle . كما أنّه ظاهر في المناطق اليوميلانينية من جسم الحسّون أي القبّعة السوداء والجناحين والذيل (نذكر هنا أن البادئة Eu باللغة الإنكليزية معناها سويّ أو طبيعي). واليوميلانين له شكلان مختلفان: الميلانين الأسود والميلانين البنّي وهذا التفريق مهمّ جدّاً في الحسّون كما سنرى وهو ليس بالأهمّية نفسها عند الكناري. 2 ــ الفيوميلانين Pheomelanin وهو ظاهر بوضوح في الكناري البنّي المصفرّ، والبنّي المبيضّ (إضافةً إلى ألوان أخرى) وهو دائماً موجود حول حافة الريش Edge . أمّا في الحسّون فهو ظاهر تماماً على الظهر والصدر بشكل رئيس (نذكر هنا أن كلمة Phaios باللغة اليونانية تعني داكن ومنها اشتقت هذه الكلمة). إن الميلانين يتم تصنيعه داخل جسم الطائر (ولا يتناوله في الطعام كما هو الحال في اللون اللايبوكرومي). ويحتاج صنع الميلانين إلى البروتينات، كما يحتاج إلى الإنزيمات المؤكسدة (الأوكسيداز) Oxidases وبالتالي تظهر هذه الأصبغة على ريش الطائر وفقاً لتركيبته الوراثية. يمكن لكل من شكلَي الميلانين أن يتواجدا معاً أو بشكل منفصل وبالشكل العادي أو المخفّف Diluted . وهذا الرسم التخطيطي لصباغي اليوميلانين والفيوميلانين يشرح ــ على بساطته الشديدة ــ الكثير عن طبيعة هذين الصباغين، ويبيّن كيف أن الفيوميلانين يمثّل طبقات مختلفة من البنّي، كما يبيّن أن اليوميلانين فيه نوعان بنّي وأسود (مع تدرّجات مختلفة في الطبقة اللونيّة) ![]() الوصف اللوني الرقمي للطفرات بعد ما ذكرناه يمكن أن نقول إن الأصبغة التي تحدد لون الحسّون هي أربعة: 1ـ اليوميلانين الأسود 2ـ اليوميلانين البني 3ـ الفيوميلانين 4 ـ اللايبوكروم نقول هذا لأننا سنستخدم هذه الأصبغة الأربعة لإعطاء (وصف لوني رقمي) لطفرات الحسّون كما سنرى في سياق الحلقات. إن طفرات الحسّون تتشابه بينها في صفات نقص (وأحياناً زيادة) بعض هذه الأصبغة، فلو قلنا إن الطفرة الفلانية ينقص فيها الميلانين الأسود والطفرة الأخرى ينقص فيها أيضاً الميلانين الأسود، فكيف نفرّق بين هاتين الطفرتين من حيث نقص هذا النوع من الصباغ فيها؟ إن أفضل طريقة لإزالة اللبس هي تحديد نسبة الصباغ المتبقية لدى الحسّون الذي لديه طفرة معيّنة. ولتحقيق هذا الغرض سنعتبر أن الحسّون الأصلي يمتلك 100% من كل من هذه الأصبغة الأربعة، وبالتالي فالوصف الرقمي يتم من خلال تحديد (ما تبقّى) لدى طفرة معيّنة من لون معيّن. كأن نقول إن الطفرة كذا يتبقّى لدى الحسّون فيها 80% من اليوميلانين الأسود و50% من اليوميلانين البني و100% من الفيوميلانين و100% من اللايبوكروم. وهذا الوصف الرقمي يساعدنا في فهم دقيق لكل من الطفرات ويساهم في التفريق بين الطفرات المتقاربة ويزيل أيّ تشوّش. هويّة محدّدة إن الوصف اللوني الرقمي هو في الواقع (هويّة محدّدة للطفرة)!! فالهويّة اللونيّة الرقمية للحسّون الأصلي هي: اليوميلانين الأسود المتبقّي لديه هو 100% اليوميلانين البنّي 100% الفيوميلانين 100% الليبوكروم 100% ولنضرب مثلاً يمثّل إحدى الطفرات: لدينا حسّون المتبقّي لديه من اليوميلانين الأسود 0% ومن اليوميلانين البني 100% ومن الفيوميلانين 100% ومن الليبوكروم 100% ما هو هذا الحسّون؟ إنّه الحسّون البنّي!! دون تردّد أو محاولة للتخمين. فهذه هي الهويّة اللونيّة للحسّون البنّي. وهكذا نرى أن هذه الأرقام هي هويّة حقيقيّة للطفرة أبعدت الرأي الشخصي Subjective ووضعت المعيار الموضوعيObjective !! من هو مبتكر هذه الطريقة؟ هذه الطريقة العبقريّة هي من ابتكار المربّي والعالم الفذّ Renzo Esuperanzi . ولا بدّ ــ للأمانة العلميّة ــ من أن نعزو هذا الاسلوب الجديد لهذا الرّجل وأن نشيد بهذه الفكرة التي تجمع البساطة والدقّة في آنٍ معاً، ولن تجدَ هذه الطريقة إلاّ في مؤلّفاته. ودون هذه الطريقة، التي سنطبّقها على كل من الطفرات التي سنأتي على ذكرها، يظلّ فهم الطفرات فهماً عامّاً غير محدّد بنسب واضحة، وهذا أحد أهم مصادر التشوّش في طفرات الحسّون. وسنقوم في الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة ــ إن شاء الله ــ باستخدام هذه الطريقة بأسلوبنا الخاص، وفيها أعرض المنهج الذي أستخدم به (الوصف اللوني الرقمي للطفرات) للتفريق بين الطفرات المتشابهة دون عناء. توزّع الألوان على جسم الحسّون الأصلي إذا كانت معرفة أساسيّات الألوان في الحسّون خطوة لا بدّ منها لفهم الطفرات، فإن دراسة ألوان الحسّون الأصلي تساعدنا في فهم علم الألوان عند الطيور عموماً. ولنوضح هذه الفكرة نقول: لو أننا نظرنا إلى أحد طيور الكناري ذات اللون الحبشي مثلاً، فإننا نجد أن هنالك تداخلاً كبيراً في نوعي الميلانين (اليوميلانين والفيوميلانين) بحيث من الصعب جدّاً تحديد أين يوجد كل منهما. أمّا في الحسّون فإن اليوميلانين (بشكليه الأسود والبنّي) موجود في مناطق محددة، والفيوميلانين موجود في مناطق محددة أيضاً، وكذلك الألوان اللايبوكرومية، بحيث ننظر إلى الحسون ونشير إلى منطقة اليوميلانين ومنطقة الفيوميلانين ومنطقة اللايبوكروم، وهذا أمر فريد في الطيور. ولننظر إلى هذه الصورة لإيضاح هذه الفكرة ![]() نلاحظ في هذه الصورة أن الألوان بأنواعها الثلاثة (اللايبوكروم واليوميلانين والفيوميلانين) موزّعة بشكل واضح تماماً ونشير على الصورة إلى الألوان الليبوكرومية (الأحمر والأصفر) بالنقاط الزرقاء وإلى الألوان اليوميلانينية بالنقاط الحمراء . وإلى الألوان الفيوميلانينية بالنقاط الخضراء وبالتالي فإن الطفرات التي تحصل لدى الحسّون ستؤثر على المناطق الخاصّة بالصباغ الذي حصلت فيه الطفرة. فلو أن طفرة حصلت فأزالت الفيوميلانين، ذهب اللون البنّي من ظهر وصدر الحسّون. ولو أن أخرى حصلت فأزالت اليوميلانين الأسود فقط ، لزال اللون الأسود من قبّعة الحسّون وجناحيه وذيله والقناع الأسود على جانبي المنقار وأصبح لون هذه المناطق بنياً. ولو أن طفرة ثالثة حصلت فأزارت نوعي اليوميلانين (الأسود والبنّي) لزال اللون الأسود نهائيّاً من قبّعة الحسّون وجناحيه والقناع الأسود على جانبي المنقار وبقي اللون البني المميّز للفيوميلانين. وهكذا..... على أنّ علينا أن نلاحظ نقطة هامّة جدّاً وهي أن المناطق اليوميلانينية في الحسّون، وإن بدت سوداء تماماً بالنسبة لنا، فإنها في حقيقة الأمر خليط من الأسود والبنّي، لأن الصباغ الذي يلوّنها هو مزيج من اليوميلانين الأسود واليوميلانين البنّي. وهذا التفريق يتّضح من خلال بعض الطفرات التي يزول فيها اليوميلانين الأسود فتصبح هذه المناطق بنّية فاتحة. فاللون البني ليس دخيلاً عليها، ولكنه أصبح مرئيّاً بوضوح بعد أن زال اللون الأسود. قانونا Berman و Gloser نعيد هنا ما ذكرناه أعلاه من أننا عندما نتكلّم عن الحسّون غير المصاب بالطفرات في سلسلتنا هذه (أي الحسّون الأصلي) سنشير له بتعبير (الحسّون الأصلي) Ancestral أي الحسّون الذي لا يزال يحمل لونه أسلافه دون تغيّر. مع إدراكنا طبعاً بأن هنالك عدّة أنواع فرعيّة للحسّون في الطبيعة مثل حسون Britannica وحسون Parva وحسون الهيمالايا Himalayanوالحسّون السيبيري المعروف باسم C.c.Major . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: أليست هذه الأنواع الفرعية مختلفة في ألوانها إضافة إلى اختلافها في حجومها؟ والجواب هو نعم ويأتي سؤال آخر: ولكن أليست هذه طفرات؟ والجواب هو بالنفي. ذلك أن اختلاف الحجوم والألوان يأتي ضمن نظام التطوّر الطبيعي للكائنات الحية وفقاً للبيئة التي تعيش فيها وهذا الأمر يتبع قانونين : الأوّل هو قانون Berman وهو ينصّ على أن الطيور من النوع الواحد Species تكون كبيرة الحجم في البلدان الباردة وصغيرة الحجم في البلدان الحارّة. ومصداق هذا القانون هو الحسون السيبيري (بحجمه الكبير) و حسّون البارفا (بحجمه الصغير). والثاني هو قانون Gloser وهو ينص على أن الطيور من النوع الواحد تكون ذات ريش داكن في المناطق ذات الرطوبة العالية وساعات الضوء الأطول بسبب الإنتاج العالي للميلانين، وتكون ذات ريش فاتح في المناطق الباردة الجافة والتي تتعرّض لعدد ساعات أقل من الضوء. ومصداق هذا القانون أيضاً هو الحسون البارفا (بألوانه الداكنة) والحسون السيبيري (بألوانه الفاتحة). فهذه الفروق بين هذه الأنواع الفرعية ليست من نوع الطفرات ولكنها بسبب التأقلم مع البيئات المختلفة والذي كثيراً ما يؤدّي إلى حصول هذه الفروق اللونية. وهذا الأمر يمكننا فهمه بشكل علمي من خلال تذكّر مفهوم الإبيجينوم Epigenome الذي تحدّثنا عنها في الحلقة الماضية. ![]() على أن الطفرات تحصل في الطبيعة وليس فقط في الأسر كما ذكرنا في الحلقة الماضية ووضعنا بعض الصور للدلالة على هذا، وهذه صورة إضافية تثبت هذه النقطة ![]() ملاحظة أخيرة إن الأكثريّة الساحقة من الطفرات اللونية التي نعرفها حتى الآن في الحسّون تكتنف صباغ الميلانين كما سنرى من خلال حديثنا عن تفاصيلها، والاستثناء الوحيد حتى الآن هما طفرتا الحسّون الأصفر والحسّون العاجي المتعلّقتان باللايبوكروم. وإلى اللقاء في الحلقة القادمة بإذن الله لنتحدّث عن أولى الطفرات التي سنتناولها في هذه السلسلة وهي طفرة (الحسّون البنّي). ![]() |
![]() |
! | تحذير: هذا الموضوع حقوقه محمية ومحفوظة للتجمع الدولي لعلم الطيور. يمنع منعا باتا نقله او تداوله او الاقتباس منه. يجب أن يتم الاستئذان من الادارة ومن كاتب الموضوع قبل نقل اي شيء ومن يخالف سيتم اتخاذ الاجراءات القانونية بحقه. |
! | تحذير: كافة الحقوق محفوظة يمنع النقل والاقتباس قبل استشارة الادارة |















































