تتهادى ببدنها الممتلئ بين التلميذات، تتحاشى نظرات الفضول، تدخل بثقة أنها ستكون الأولى في امتحان اليوم، تحصل على الدرجة كاملة وتحاول الإسراع لأخذ قطعة الحلوى، يسبقها الأخريات بسيقانهن الرشيقة. تتقهقر هي... تصل بعد أن انقضت قطعة الحلوى.
- لقد كنت الأولى يا أستاذة لكنهن سبقنني إليك!!
- لا بأس... خذي هذه الصورة... إنها أجمل من الحلوى، أبقيها في ألبومك الخاص...
بعد سنوات تُخرج الصورة، تتأملها، تسكب قطرتين من عينين نديتين، تتذكر ذلك الموقف وتتمتم:
ما ولت كما أنا تؤخرني بدانتي عن أول الركب، رغم تفوقي!!
(2)
تركض نحو الباب، تستقبل والدها بفرح، تتناول ما بيده، تفتح حقائب سفره لترى ما أحضره من هدايا، تستعرض ما فيها من فساتين وتيورات تناسب رشاقة أخواتها، تلمح قطعة من القماش، تقع في ركن في الحقيبة، تنتظر خياطا يفصلها بشكل يناسب بدنها المترهل!!
(3)
تحاول الإسراع بالخروج من القاعة لتتمكن من اللحاق بالحافلة، تركض نازلة السلالم، تظن أنها ستكون أول الراكبات، تفاجأت بأن الحافلة اكتظت، وأن المقاعد قد شغلت كلها وأن عليها أن تبقى واقفة حتى تصل بيتها، لكن... إحدى صديقاتها تتنازل لها عن مقعدها، تجلس عليه لاهثة، تشكر زميلتها، تبتلع غصّة لا تكاد تفارقها!!
(4)
تسمع توبيخ الطبيب في صمت باك، تطرق حتى ينهي سيلا من التحذيرات، تنصب كلها حول توقعات بأمراض خطيرة، ومخاطر جسيمة، تخرج وقد التفت حول رقبتها إخطبوط من المخاوف والتوجسات، تبقى كلماته تتردد على مسامعها، توازي خطوط عجزها عن تطبيق الوصايا الطبية، تضطرب أمواج إرادتها الضعيفة، تصطدم بصخور صلبة من الإحباط، تبحث عن مخرج فلا تجد غير قلم تسيّل مدامعه كلمات من التعبير...
(5)
تصطف مع الخريجات في مسيرة الاحتفال، تحاول أن تكون كالأخريات، تردد النشيد الوطني، توزع ابتسامات الحبور على الحاضرات، فتتمهل في مشيتها، تصطدم بالتي أمامها ترمقها الباقيات شررا، تطرق معتذرة، آسفة لقد عرقلت السير. تتراجع حتى تكون في آخر المسيرة!!!
(6)
- إنتِ ليش منتفخة؟؟؟
- إنتِ حلوة لكنك منفوخة!!!
- يمه بتاكلني ذي...
تستمع إلى هذه العبارة من أفواه بريئة، تبادلهم بابتسامات تخفي ألماً يوازي أحلامها بالتخفيف من هذا العبء الذي يثقلها جسديا ونفسيا، تبتلع حسرتها، وتسير بينهم، تحاول تغيير مجرى الحديث، تنخرط معهم في حوارات لذيذة، لكنه سرعان ما يعلو صوت أحدهم وهو يركض:
- لو كنتِ نحيفة كان قدرتي تمسكيني!!!
(7)
ابتهجي.. ابتهجي فما لهذا الوجه إلا الابتسام، تردد هذه الكلمات على نفسها، وهي تتأمل وجهها في المرآة، ترتدي عباءتها، تستأذن أباها، تتوجه إلى السوق، تتدحرج بين المحلات ببدانتها المفرطة، تسأل عن ثمن حقيبة أعجبتها..
- هذه بخمسين يا خالة!!
تترك المحل غاضبة، وتخرج فهي في سن أبنائه!! تتوجه إلى محل الأحذية، يستوقفها حذاء أنيق:
- أكبر مقاس من هذا النوع كم؟؟
- أربعين يا خالة!!
- أرني إياه _تقولها بقرف_
يخرجه لها، تحاول حشو إحدى قدميها فيه فلا تستطيع.. تخلعه بنزق، تخرج وقد قررت ألاّ تكمل تسوقـــهــــــا..
وتتوجه إلى المكتبة...
(8)
تتصل الخاطبة بأمها.. تطلب موعداً لرؤية الفتيات.. تلمحهم وهم يوزعون الأدوار، هذه ستحمل صينية الشاي، والأخرى ستبخر الضيفة، والثالثة ستقدم الحلوى..
ترمق استبعادها من الموضوع بعين دامعة، تمسك كتاباً تسلّي بقراءته وحدتها...
(9)
تضطرب نفسيتها، تنهمر دموعها، تستطيل أوقات بكائها، تسوّد الدنيا في عينيها، تشعر بوخزات في صدرها، تصبح أوقات نومها لحظات تمتلئ بأحلام مفزعة، وكوابيس فضيعة، تفقد شهيتها لكل ملذات الحياة، تزداد شراهتها للأكل، تتناول كل ما يقع بيدها دون أن تشعر بطعمه، تنزوي عن الآخرين، تبحث عن ما ينسيها همها..
تنخرط في هوايتها تبدع فيها، تطلع الآخرين على ما أبدعت، تريد أن تنسيهم بدانتها، أن يلتفتوا لجوانب الجمال في شخصيتها، بل تريد أن تنسى هي، ألاّ تبالي بمن يذكّرونها دوما بضعف إرادتها، بعجزها الذي تكرهه، تيأس من كل ذلك، وتتشكل عذاباتها نغزات في الصدر الممتلئ
مذكرات فتاة بدينة
المشرف: المشرف
قوانين المنتدى
الرجاء الاطلاع على قوانين التجمع قبل المشاركة:
قوانين التجمع الدولي لعلم الطيور
الرجاء الاطلاع على قوانين التجمع قبل المشاركة:
قوانين التجمع الدولي لعلم الطيور
-
libzo adiga
- مشرف سابق

-
اشترك في: ديسمبر 17, 2006 العمر: 46 مكان: الأردن المواضيع: 76 مشاركات: 1733 اربي ما يلي: البادجي
مذكرات فتاة بدينة
| التوقيع |
|---|
![]() |
-
ابو عدي
- مراقب سابق

- مشرف سابق

-
اشترك في: مايو 19, 2006 العمر: 48 مكان: فلسطين / القدس المواضيع: 385 مشاركات: 6175 الصور: 1 WWW: زيارة الموقع اربي ما يلي: لا شيئ









